Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:186
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِلْآيَةِ تَأْوِيلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِالمُصابَرَةِ عَلى الِابْتِلاءِ في النَّفْسِ والمالِ، والمُصابَرَةِ عَلى تَحَمُّلِ الأذى وتَرْكِ المُعارَضَةِ والمُقابَلَةِ، وإنَّما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى دُخُولِ المُخالِفِ في الدِّينِ، كَما قالَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وقالَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] والمُرادُ بِهَذا الغُفْرانِ الصَّبْرُ وتَرْكُ الِانْتِقامِ، وقالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كانَ هَذا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ السَّيْفِ.
قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الَّذِي عِنْدِي أنَّ هَذا لَيْسَ بِمَنسُوخٍ، والظّاهِرُ أنَّها نَزَلَتْ عَقِيبَ قِصَّةِ أُحُدٍ، والمَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلى ما يُؤْذُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ عَلى طَرِيقِ الأقْوالِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم، واسْتِعْمالِ مُداراتِهِمْ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ، والأمْرُ بِالقِتالِ لا يُنافِي الأمْرَ بِالمُصابَرَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ الواحِدِيِّ ضَعِيفٌ، والقَوْلُ ما قالَهُ القَفّالُ.