Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:185
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ يُسَمّى بِالمَيِّتِ وإنَّما لا يُسَمّى المُذَكّى بِالمَيِّتِ بِسَبَبِ التَّخْصِيصِ بِالعُرْفِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَمامَ الأجْرِ والثَّوابِ لا يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَنفَعَةٍ تَصِلُ إلى المُكَلَّفِ في الدُّنْيا فَهي مُكَدَّرَةٌ بِالغُمُومِ والهُمُومِ وبِخَوْفِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ، والأجْرُ التّامُّ والثَّوابُ الكامِلُ إنَّما يَصِلُ إلى المُكَلَّفِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ هُناكَ يَحْصُلُ السُّرُورُ بِلا غَمٍّ، والأمْنُ بِلا خَوْفٍ، واللَّذَّةُ بِلا ألَمٍ. والسَّعادَةُ بِلا خَوْفِ الِانْقِطاعِ، وكَذا القَوْلُ في جانِبِ العِقابِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا ألَمٌ خالِصٌ عَنْ شَوائِبِ اللَّذَّةِ، بَلْ يَمْتَزِجُ بِهِ راحاتٌ وتَخْفِيفاتٌ، وإنَّما الألَمُ التّامُّ الخالِصُ الباقِي هو الَّذِي يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ الزَّحْزَحَةُ التَّنْحِيَةُ والإبْعادُ، وهو تَكْرِيرُ الزَّحِّ، والزَّحُّ هو الجَذْبُ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ حِينَما كانَ في الدُّنْيا كَأنَّهُ كانَ في النّارِ، وما ذاكَ إلّا لِكَثْرَةِ آفاتِها وشِدَّةِ بَلِيّاتِها، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ» “ .