Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:185
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَتِ الفَلاسِفَةُ أنَّ المَوْتَ واجِبُ الحُصُولِ عِنْدَ هَذِهِ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الحَياةَ الجُسْمانِيَّةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِالرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ والحَرارَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ الحَرارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تُؤَثِّرُ في تَحْلِيلِ الرُّطُوبَةِ الغَرِيزِيَّةِ، ولا تَزالُ تَسْتَمِرُّ هَذِهِ الحالَةُ إلى أنْ تَفْنى الرُّطُوبَةُ الأصْلِيَّةُ فَتَنْطَفِئَ الحَرارَةُ الغَرِيزِيَّةُ ويَحْصُلَ المَوْتُ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ كانَ المَوْتُ ضَرُورِيًّا في هَذِهِ الحَياةِ. قالُوا: وقَوْلُهُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ النُّفُوسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النَّفْسَ ذائِقَةَ المَوْتِ، والذّائِقُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ باقِيًا حالَ حُصُولِ الذَّوْقِ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ مَوْتِ البَدَنِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ، وعَلى أنَّ النَّفْسَ لا تَمُوتُ بِمَوْتِ البَدَنِ، وأيْضًا: لَفْظُ النَّفْسِ مُخْتَصٌّ بِالأجْسامِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ضَرُورَةَ المَوْتِ مُخْتَصَّةٌ بِالحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ، فَأمّا الأرْواحُ المُجَرَّدَةُ فَلا، وقَدْ جاءَ في الرِّواياتِ ما هو خِلافُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] قالَتِ المَلائِكَةُ ماتَ أهْلُ الأرْضِ، ولَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ قالَتِ المَلائِكَةُ: مُتْنا.