Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:181-182
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ ذَكَرَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أيْ هَذا العَذابُ المُحْرِقُ جَزاءُ فِعْلِكم حَيْثُ وصَفْتُمُ اللَّهَ وأقْدَمْتُمْ عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ، فَيَكُونُ هَذا العِقابُ عَدْلًا لا جَوْرًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ العِقابِ بِهِمْ كانَ يَكُونُ ظُلْمًا بِتَقْدِيرِ أنْ لا يَقَعَ مِنهم تِلْكَ الذُّنُوبُ، وفِيهِ بُطْلانُ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يُعَذِّبَ البالِغِينَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ العَبْدِ فاعِلًا، وإلّا لَكانَ الظُّلْمُ حاصِلًا.
والجَوابُ: أنَّ ما ذَكَرْتُمْ مُعارَضٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ عَلى ما شَرَحْناهُ مِرارًا وأطْوارًا.
صفحة ٩٨
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] يُفِيدُ نَفْيَ كَوْنِهِ ظَلّامًا، ونَفْيُ الصِّفَةِ يُوهِمُ بَقاءَ الأصْلِ، فَهَذا يَقْتَضِي ثُبُوتَ أصْلِ الظُّلْمِ.
أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَ بِأنْ يَفْعَلَهُ بِهِمْ لَوْ كانَ ظُلْمًا لَكانَ عَظِيمًا، فَنَفاهُ عَلى حَدِّ عِظَمِهِ لَوْ كانَ ثابِتًا، وهَذا يُؤَكِّدُ ما ذَكَرْنا أنَّ إيصالَ العِقابِ إلَيْهِمْ يَكُونُ ظُلْمًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ.