Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:178
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾ مَعْناهُ نَفْيُ الخَيْرِيَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ، لِأنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلّا عِنْدَ ذِكْرِ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ، فَلَمّا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ هَهُنا إلّا أحَدَ الأمْرَيْنِ عَرَفْنا أنَّهُ لِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ لا لِنَفْيِ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن شَيْءٍ آخَرَ.
وأمّا السُّؤالُ الثّانِي: وهو تَمَسُّكُهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ﴾ [النساء: ٦٤] .
فَجَوابُهُ: أنَّ الآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنا بِها خاصٌّ، والآيَةَ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها عامٌّ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ.
وأمّا السُّؤالُ الثّالِثُ: وهو حَمْلُ اللّامِ عَلى لامِ العاقِبَةِ فَهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ، وأيْضًا فَإنَّ البُرْهانَ العَقْلِيَّ يُبْطِلُهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَصِيرُوا مَوْصُوفِينَ بِازْدِيادِ الغَيِّ والطُّغْيانِ، كانَ ذَلِكَ واجِبَ الحُصُولِ لِأنَّ حُصُولَ مَعْلُومِ اللَّهِ واجِبٌ، وعَدَمُ حُصُولِهِ مُحالٌ، وإرادَةُ المُحالِ مُحالٌ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ الإيمانَ، ويَجِبُ أنْ يُرِيدَ مِنهُمُ ازْدِيادَ الغَيِّ والطُّغْيانِ، وحِينَئِذٍ ثَبَتَ أنَّ المَقْصُودَ هو التَّعْلِيلُ وأنَّهُ لا يَجُوزُ المَصِيرُ إلى لامِ العاقِبَةِ.