Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:176
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، ومُسارَعَتُهم هي أنَّهم كانُوا يُخَوِّفُونَ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ وقْعَةِ أُحُدٍ ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ النُّصْرَةِ والظَّفَرِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّ مُحَمَّدًا طالِبُ مُلْكٍ، فَتارَةً يَكُونُ الأمْرُ لَهُ، وتارَةً عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ ما غُلِبَ، وهَذا كانَ يُنَفِّرُ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، فَكانَ الرَّسُولُ يَحْزَنُ بِسَبَبِهِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ أسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا خَوْفًا مِن قُرَيْشٍ، فَوَقَعَ الغَمُّ في قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ بِذَلِكَ السَّبَبِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهم بِسَبَبِ تِلْكَ الرِّدَّةِ يُلْحِقُونَ بِهِ مَضَرَّةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ رِدَّتَهم لا تُؤَثِّرُ في لُحُوقِ ضَرَرٍ بِكَ. قالَ القاضِي: ويُمْكِنُ أنْ يَقْوى هَذا الوَجْهُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المُسْتَمِرَّ عَلى الكُفْرِ لا يُوصَفُ بِأنَّهُ يُسارِعُ في الكُفْرِ، وإنَّما يُوصَفُ بِذَلِكَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ.
الثّانِي: أنَّ إرادَتَهُ تَعالى أنْ لا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِمَن قَدْ آمَنَ، فاسْتَوْجَبَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُحْبِطَ.
الثّالِثُ: أنَّ الحُزْنَ إنَّما يَكُونُ عَلى فَواتِ أمْرٍ مَقْصُودٍ، فَلَمّا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الِانْتِفاعَ بِإيمانِهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا حَزِنَ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ لِفَواتِ التَّكْثِيرِ بِهِمْ، فَآمَنُهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وعَرَّفَهُ أنَّ وُجُودَ إيمانِهِمْ كَعَدَمِهِ في أنَّ أحْوالَهُ لا تَتَغَيَّرُ.