Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:169-170
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنَّ أحْوالَ النَّفْسِ عَلى ضِدِّ أحْوالِ البَدَنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّفْسَ إنَّما تَفْرَحُ وتَبْتَهِجُ بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» “ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ الطَّعامَ والشَّرابَ لَيْسَ إلّا عِبارَةً عَنِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والِاسْتِنارَةِ بِأنْوارِ عالَمِ الغَيْبِ. وأيْضًا فَإنّا نَرى أنَّ الإنْسانَ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِبْشارُ بِخِدْمَةِ سُلْطانٍ، أوْ بِالفَوْزِ بِمَنصِبٍ، أوْ بِالوُصُولِ إلى مَعْشُوقِهِ، قَدْ يَنْسى الطَّعامَ والشَّرابَ، بَلْ يَصِيرُ بِحَيْثُ لَوْ دُعِيَ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ لَوَجَدَ مِن قَلْبِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً مِنهُ، والعارِفُونَ المُتَوَغِّلُونَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَدْ يَجِدُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم إذا لاحَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأنْوارِ، وانْكَشَفَ لَهم شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأسْرارِ، لَمْ يَحُسُّوا البَتَّةَ بِالجُوعِ والعَطَشِ. وبِالجُمْلَةِ فالسَّعادَةُ النَّفْسانِيَّةُ كالمُضادَّةِ لِلسَّعادَةِ الجُسْمانِيَّةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ النَّفْسَ مُسْتَقِلَّةٌ بِذاتِها ولا تَعَلُّقَ لَها بِالبَدَنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ لا تَمُوتَ النَّفْسُ بِمَوْتِ البَدَنِ، ولْتَكُنْ هَذِهِ الإقْناعِيّاتُ كافِيَةً في هَذا المُقامِ.