Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَمْ يُتَلْمَذْ لِأحَدٍ ولَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يُمارِسْ دَرْسًا ولا تَكْرارًا، وأنَّهُ إلى تَمامِ الأرْبَعِينَ لَمْ يَنْطِقِ البَتَّةَ بِحَدِيثِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ ادَّعى الرِّسالَةَ وظَهَرَ عَلى لِسانِهِ مِنَ العُلُومِ ما لَمْ يَظْهَرْ عَلى أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ، ثُمَّ إنَّهُ يَذْكُرُ قِصَصَ المُتَقَدِّمِينَ وأحْوالَ الأنْبِياءِ الماضِينَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في كُتُبِهِمْ، فَكُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ عَلِمَ أنَّ هَذا لا يَتَأتّى إلّا بِالوَحْيِ السَّماوِيِّ والإلْهامِ الإلَهِيِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَعْدَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ عَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والأزْواجَ لِيَتْرُكَ هَذِهِ الدَّعْوى فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ قَنِعَ بِالفَقْرِ وصَبَرَ عَلى المَشَقَّةِ، ولَمّا عَلا أمْرُهُ وعَظُمَ شَأْنُهُ وأخَذَ البِلادَ وعَظُمَتِ الغَنائِمُ لَمْ يُغَيِّرْ طَرِيقَهُ في البُعْدِ عَنِ الدُّنْيا والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والكاذِبُ إنَّما يُقْدِمُ عَلى الكَذِبِ لِيَجِدَ الدُّنْيا، فَإذا وجَدَها تَمَتَّعَ بِها وتَوَسَّعَ فِيها، فَلَمّا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عُلِمَ أنَّهُ كانَ صادِقًا.