Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:161
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: أنَّ ما هو مِن هَذا القَبِيلِ في التَّنْزِيلِ أُسْنِدَ الفِعْلُ فِيهِ إلى الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ و﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ [يُوسُفَ: ٧٦] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [يُوسُفَ: ٣٨] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٩] وقَلَّ أنْ يُقالَ: ما كانَ زَيْدٌ لِيُضْرَبَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ إلْحاقُ هَذِهِ الآيَةِ بِالأعَمِّ الأغْلَبِ، ويُؤَكِّدُهُ ما حَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ يُونُسَ أنَّهُ كانَ يَخْتارُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: لَيْسَ في الكَلامِ ما كانَ لَكَ أنْ تُضْرَبَ، بِضَمِّ التّاءِ.
وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقِيلَ لَهُ إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ ﴿يَغُلَّ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ النَّبِيُّ يَقْصِدُونَ قَتْلَهُ، فَكَيْفَ لا يَنْسُبُونَهُ إلى الخِيانَةِ ؟ وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ وهي ﴿يَغُلَّ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ فَفي تَأْوِيلِها وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يُخانَ.
واعْلَمْ أنَّ الخِيانَةَ مَعَ كُلِّ أحَدٍ مُحَرَّمَةٌ، وتَخْصِيصُ النَّبِيِّ بِهَذِهِ الحُرْمَةِ فِيهِ فَوائِدُ:
أحَدُها: أنَّ المَجْنِيَّ عَلَيْهِ كُلَّما كانَ أشْرَفَ وأعْظَمَ دَرَجَةً كانَتِ الخِيانَةُ في حَقِّهِ أفْحَشَ، والرَّسُولُ أفْضَلُ البَشَرِ فَكانَتِ الخِيانَةُ في حَقِّهِ أفْحَشَ.