Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:159
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ مُشاوَرَةَ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم تُوجِبُ عُلُوَّ شَأْنِهِمْ ورِفْعَةَ دَرَجَتِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي شِدَّةَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ وخُلُوصَهم في طاعَتِهِ، ولَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً بِهِمْ فَيَحْصُلُ سُوءُ الخُلُقِ والفَظاظَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ أكْمَلَ النّاسِ عَقَلًا إلّا أنَّ عُلُومَ الخَلْقِ مُتَناهِيَةٌ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ إنْسانٍ مِن وُجُوهِ المَصالِحِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، لا سِيَّما فِيما يَفْعَلُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«أنْتُمْ أعْرَفُ بِأُمُورِ دُنْياكم وأنا أعْرَفُ بِأُمُورِ دِينِكم» “ ولِهَذا السَّبَبِ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أمْرِهِمْ» “ .
الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ في المُشاوَرَةِ ويَصِيرَ سُنَّةً في أُمَّتِهِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شاوَرَهم في واقِعَةِ أُحُدٍ فَأشارُوا عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ، وكانَ مَيْلُهُ إلى أنْ يَخْرُجَ، فَلَمّا خَرَجَ وقَعَ ما وقَعَ، فَلَوْ تَرَكَ مُشاوَرَتَهم بَعْدَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ مِنهم بِسَبَبِ مُشاوَرَتِهِمْ بَقِيَّةُ أثَرٍ. فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ تِلْكَ الواقِعَةِ بِأنْ يُشاوِرَهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في قَلْبِهِ أثَرٌ مِن تِلْكَ الواقِعَةِ.