Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:159
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اللِّينُ والرِّفْقُ إنَّما يَجُوزُ إذا لَمْ يُفْضِ إلى إهْمالِ حَقٍّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ، فَأمّا إذا أدّى إلى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٧٣] وقالَ لِلْمُؤْمِنِينَ في إقامَةِ حَدِّ الزِّنا: ﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٢] .
وهاهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى: وهي أنَّهُ تَعالى مَنعَهُ مِنَ الغِلْظَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وأمَرَهُ بِالغِلْظَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فَهاهُنا نَهاهُ عَنِ الغِلْظَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، وهُناكَ أمَرَهُ بِالغِلْظَةِ مَعَ الكافِرِينَ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائِدَةِ: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ مَذْمُومانِ، والفَضِيلَةُ في الوَسَطِ، فَوُرُودُ الأمْرِ بِالتَّغْلِيظِ تارَةً، وأُخْرى بِالنَّهْيِ عَنْهُ، إنَّما كانَ لِأجْلِ أنْ يَتَباعَدَ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، فَيَبْقى عَلى الوَسَطِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، فَلِهَذا السِّرِّ مَدَحَ اللَّهُ الوَسَطَ فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ:
أوَّلُها: بِالعَفْوِ عَنْهم وفِيهِ مَسائِلُ.