Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:159
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: إنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ أنْ يُبَلِّغَ الرَّسُولُ تَكالِيفَ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا إذا مالَتْ قُلُوبُهم إلَيْهِ وسَكَنَتْ نُفُوسُهم لَدَيْهِ، وهَذا المَقْصُودُ لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ رَحِيمًا كَرِيمًا، يَتَجاوَزُ عَنْ ذَنْبِهِمْ، ويَعْفُو عَنْ إساءَتِهِمْ، ويَخُصُّهم بِوُجُوهِ البِرِّ والمَكْرُمَةِ والشَّفَقَةِ، فَلِهَذِهِ الأسْبابِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبَرَّأً عَنْ سُوءِ الخُلُقِ، وكَما يَكُونُ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ غَلِيظِ القَلْبِ، بَلْ يَكُونُ كَثِيرَ المَيْلِ إلى إعانَةِ الضُّعَفاءِ، كَثِيرَ القِيامِ بِإعانَةِ الفُقَراءِ، كَثِيرَ التَّجاوُزِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، كَثِيرَ الصَّفْحِ عَنْ زَلّاتِهِمْ، فَلِهَذا المَعْنى قالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ ولَوِ انْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاتَ المَقْصُودُ مِنَ البَعْثَةِ والرِّسالَةِ. وحَمَلَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى واقِعَةِ أُحُدٍ قالَ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ عادُوا إلَيْكَ بَعْدَ الِانْهِزامِ ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ وشافَهْتَهم بِالمَلامَةِ عَلى ذَلِكَ الِانْهِزامِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ، هَيْبَةً مِنكَ وحَياءً بِسَبَبِ ما كانَ مِنهم مَنِ الِانْهِزامِ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا لا يُطْمِعُ العَدُوَّ فِيكَ وفِيهِمْ.
صفحة ٥٣