Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:159
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصَّلاةُ والسَّلامُ رَحِيمًا بِالأُمَّةِ، فَإذا تَأمَّلْتَ حَقِيقَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَرَفْتَ دَلالَتَها عَلى أنَّهُ لا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ ألْقى في قَلْبِ عَبْدِهِ داعِيَةَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ واللُّطْفِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وإذا ألْقى في قَلْبِهِ هَذِهِ الدّاعِيَةَ فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ لا مَحالَةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ: إنَّ كُلَّ رَحِيمٍ سِوى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِرَحْمَتِهِ عِوَضًا، إمّا هَرَبًا مِنَ العِقابِ، أوْ طَلَبًا لِلثَّوابِ، أوْ طَلَبًا لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ، فَإذا فَرَضْنا صُورَةً خالِيَةً عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ كانَ السَّبَبُ هو الرِّقَّةَ الجِنْسِيَّةَ، فَإنَّ مَن رَأى حَيَوانًا في الألَمِ رَقَّ قَلْبُهُ، وتَألَّمَ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِ إيّاهُ في الألَمِ، فَيُخَلِّصُهُ عَنْ ذَلِكَ الألَمِ دَفْعًا لِتِلْكَ الرِّقَّةِ عَنْ قَلْبِهِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْراضِ لَمْ يَرْحَمْ ألْبَتَّةَ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو الَّذِي يَرْحَمُ لا لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، فَلا رَحْمَةَ إلّا لِلَّهِ.