Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:159
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
١١٣ ] وأمّا في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، فَكَما وصَفَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ كَأنَّها مِن جِنْسِ أرْواحِ المَلائِكَةِ، فَلا تَنْقادُ لِلشَّهْوَةِ ولا تَمِيلُ لِدَواعِي الغَضَبِ، ولا تَتَأثَّرُ مِن حُبِّ المالِ والجاهِ، فَإنَّ مَن تَأثَّرَ عَنْ شَيْءٍ كانَ المُتَأثِّرُ أضْعَفَ مِنَ المُؤَثِّرِ، فالنَّفْسُ إذا مالَتْ إلى هَذِهِ المَحْسُوساتِ كانَتْ رُوحانِيّاتُها أضْعَفَ مِنَ الجُسْمانِيّاتِ، وإذا لَمْ تَمِلْ إلَيْها ولَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْها كانَتْ رُوحانِيّاتُها مُسْتَعْلِيَةً عَلى الجُسْمانِيّاتِ، وهَذِهِ الخَواصُّ نَظَرِيَّةٌ، وكانَتْ نَفْسُهُ المُقَدَّسَةُ في غايَةِ الجَلالَةِ والكَمالِ في هَذِهِ الخِصالِ. وأمّا اعْتِبارُ حالِ الفاعِلِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القَدَرِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ» “ فَإنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الحَوادِثَ الأرْضِيَّةَ مُسْتَنِدَةٌ إلى الأسْبابِ الإلَهِيَّةِ، فَيَعْلَمُ أنَّ الحَذَرَ لا يَدْفَعُ القَدَرَ، فَلا جَرَمَ إذا فاتَهُ مَطْلُوبٌ لَمْ يَغْضَبْ، وإذا حَصَلَ لَهُ مَحْبُوبٌ لَمْ يَأْنَسْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى الرُّوحانِيّاتِ الَّتِي هي أشْرَفُ مِن هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ، فَلا يُنازِعُ أحَدًا مِن هَذا العالَمِ في طَلَبِ شَيْءٍ مِن لَذّاتِها وطَيِّباتِها، ولا يَغْضَبُ عَلى أحَدٍ بِسَبَبِ فَوْتِ شَيْءٍ مِن مَطالِبِها، ومَتى كانَ الإنْسانُ كَذَلِكَ كانَ حَسَنَ الخُلُقِ، طَيِّبَ العِشْرَةِ مَعَ الخَلْقِ، ولَمّا كانَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ البَشَرِ في هَذِهِ الصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِحُسْنِ الخُلُقِ، لا جَرَمَ كانَ أكْمَلَ الخَلْقِ في حُسْنِ الخُلُقِ.