Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:157
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وخامِسُها: هَبْ أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ تَحْصُلُ في الغَدِ خالِصَةً عَنِ الشَّوائِبِ ولَكِنَّها لا تَدُومُ ولا تَسْتَمِرُّ، بَلْ تَنْقَطِعُ وتَفْنى، وكُلَّما كانَتِ اللَّذَّةُ أقْوى وأكْمَلَ، كانَ التَّأسُّفُ والتَّحَسُّرُ عِنْدَ فَواتِها أشَدَّ وأعْظَمَ، ومَنافِعُ الآخِرَةِ مَصُونَةٌ عَنِ الِانْقِطاعِ والزَّوالِ.
وسادِسُها: أنَّ مَنافِعَ الدُّنْيا حِسِّيَّةٌ ومَنافِعَ الآخِرَةِ عَقْلِيَّةٌ، والحِسِّيَّةُ خَسِيسَةٌ، والعَقْلِيَّةُ شَرِيفَةٌ، أتَرى أنَّ انْتِفاعَ الحِمارِ بِلَذَّةِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ يُساوِي ابْتِهاجَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ إشْراقِها بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ المَعاقِدُ السِّتَّةُ تُنَبِّهُكَ عَلى ما لا نِهايَةَ لَها مِنَ الوُجُوهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ المَغْفِرَةُ مَوْصُوفَةً بِأنَّها خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ، ولا خَيْرَ فِيما تَجْمَعُونَ أصْلًا.
قُلْنا: إنَّ الَّذِي تَجْمَعُونَهُ في الدُّنْيا قَدْ يَكُونُ مِن بابِ الحَلالِ الَّذِي يُعَدُّ خَيْرًا، وأيْضًا هَذا وارِدٌ عَلى حَسَبِ قَوْلِهِمْ ومُعْتَقَدِهِمْ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ خَيْراتٌ، فَقِيلَ: المَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي تَظُنُّونَها خَيْراتٍ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لَإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .