Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:156
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والقَوْلُ الثّانِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكُونُوا مِثْلَهم حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ انْتِفاءَ كَوْنِكم مِثْلَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ؛ لِأنَّ مُخالَفَتَهم فِيما يَقُولُونَ ويَعْتَقِدُونَ ومُضادَّتَهم مِمّا يَغِيظُهم.
صفحة ٤٧
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ المُحْيِيَ والمُمِيتَ هو اللَّهُ، ولا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ آخَرَ في الحَياةِ والمَوْتِ، وأنَّ عِلْمَ اللَّهِ لا يَتَغَيَّرُ، وأنَّ حُكْمَهُ لا يَنْقَلِبُ، وأنَّ قَضاءَهُ لا يَتَبَدَّلُ، فَكَيْفَ يَنْفَعُ الجُلُوسُ في البَيْتِ مِنَ المَوْتِ ؟
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ القَوْلُ بِأنَّ قَضاءَ اللَّهِ لا يَتَبَدَّلُ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الجِدِّ والِاجْتِهادِ مُفِيدًا في الحَذَرِ عَنِ القَتْلِ والمَوْتِ، فَكَذا القَوْلُ بِأنَّ قَضاءَ اللَّهِ لا يَتَبَدَّلُ وجَبَ أنْ يَمْنَعَ مِن كَوْنِ العَمَلِ مُفِيدًا في الِاحْتِرازِ عَنْ عِقابِ الآخِرَةِ، وهَذا يَمْنَعُ مِن لُزُومِ التَّكْلِيفِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَقْرِيرُ الأمْرِ بِالجِهادِ والتَّكْلِيفِ، وإذا كانَ الجَوابُ يُفْضِي بِالآخِرَةِ إلى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ كانَ هَذا الكَلامُ يَقْضِي ثُبُوتُهُ إلى نَفْيِهِ فَيَكُونُ باطِلًا.