Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:155
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ القَوْمَ ظَنُّوا أنَّ الهَزِيمَةَ لَمّا وقَعَتْ عَلى المُشْرِكِينَ لَمْ يَبْقَ إلى ثَباتِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ حاجَةٌ، فَلا جَرَمَ انْتَقَلُوا عَنْهُ وتَحَوَّلُوا لِطَلَبِ الغَنِيمَةِ، ومِثْلُ هَذا لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الصَّغائِرِ لِأنَّ لِلِاجْتِهادِ في مِثْلِهِ مَدْخَلًا، وأمّا عَلى قَوْلِ أصْحابِنا فالعَفْوُ عَنِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ جائِزٌ، فَلا حاجَةَ إلى هَذِهِ التَّكَلُّفاتِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أيْ غَفُورٌ لِمَن تابَ وأنابَ، حَلِيمٌ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ. وقَدِ احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ لَوَجَبَ عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، ولَوْ كانَ العَفْوُ عَنْهُ واجِبًا لَما حَسُنَ التَّمَدُّحُ بِهِ؛ لِأنَّ مَن يَظْلِمُ إنْسانًا فَإنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يَتَمَدَّحَ بِأنَّهُ عَفا عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ، فَلَمّا ذَكَرَ هَذا التَّمَدُّحَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الكَبائِرِ، ولَمّا عَفا عَنْهُ عَلِمْنا أنَّ العَفْوَ عَنِ الكَبائِرِ واقِعٌ واللَّهُ أعْلَمُ.