Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:155
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّهم لَمّا أذْنَبُوا بِسَبَبِ مُفارَقَةِ ذَلِكَ المَكانِ أزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِشُؤْمِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ وأوْقَعَهم في الهَزِيمَةِ؛ لِأنَّ الذَّنْبَ يَجُرُّ إلى الذَّنْبِ، كَما أنَّ الطّاعَةَ تَجُرُّ إلى الطّاعَةِ. ويَكُونُ لُطْفًا فِيها.
الثّالِثُ: لَمّا أذْنَبُوا بِسَبَبِ الفَشَلِ ومُنازَعَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وقَعُوا في ذَلِكَ الذَّنْبِ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ في بَعْضِ ما كَسَبُوا، لا في كُلِّ ما كَسَبُوا، والمُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّهم ما كَفَرُوا وما تَرَكُوا دِينَهم، بَلْ هَذِهِ زَلَّةٌ وقَعَتْ لَهم في بَعْضِ أعْمالِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ تِلْكَ الزَّلَّةَ ما كانَتْ بِسَبَبِ الكُفْرِ، فَإنَّ العَفْوَ عَنِ الكُفْرِ لا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] ثُمَّ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ الذَّنْبُ إنْ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ جازَ العَفْوُ عَنْهُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وإنْ كانَ مِنَ الكَبائِرِ لَمْ يَجُزْ إلّا مَعَ التَّوْبَةِ، فَهاهُنا لا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ التَّوْبَةِ مِنهم، وإنْ كانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَذْكُورٍ في الآيَةِ، قالَ القاضِي: والأقْرَبُ أنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ كانَ مِنَ الصَّغائِرِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لا يَكادُ في الكَبائِرِ يُقالُ إنَّها زَلَّةٌ، إنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الصَّغائِرِ.