Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:155
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يُبَيِّنْ أنَّ الشَّيْطانَ في أيِّ شَيْءٍ اسْتَزَلَّهم، وذَلِكَ لِأنَّ مَعَ العَفْوِ لا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ المَعْصِيَةِ، لَكِنَّ العُلَماءَ جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِذَلِكَ تَحَوُّلَهم عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ، بِأنْ يَكُونَ رَغْبَتُهم في الغَنِيمَةِ، وأنْ يَكُونَ فَشَلُهم في الجِهادِ وعَدُولُهم عَنِ الإخْلاصِ، وأيُّ ذَلِكَ كانَ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَفا عَنْهم. ورُوِيَ أنَّ عُثْمانَ عُوتِبَ في هَزِيمَتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَ إنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ خَطَأً لَكِنَّ اللَّهَ عَفا عَنْهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُ بِالقَلَمِ،
صفحة ٤٣
وقَطَعْتُ بِالسِّكِّينِ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَتْ عَنْهم جِناياتٌ، فَبِواسِطَةِ تِلْكَ الجِناياتِ قَدِرَ الشَّيْطانُ عَلى اسْتِزْلالِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهم لَمْ يَتَوَلَّوْا عَلى جِهَةِ المُعانَدَةِ ولا عَلى جِهَةِ الفِرارِ مِنَ الزَّحْفِ رَغْبَةً مِنهم في الدُّنْيا، وإنَّما ذَكَّرَهُمُ الشَّيْطانُ ذُنُوبًا كانَتْ لَهم، فَكَرِهُوا لِقاءَ اللَّهِ إلّا عَلى حالٍ يَرْضَوْنَها، وإلّا بَعْدَ الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، فَهَذا خاطِرٌ خَطَرَ بِبالِهِمْ وكانُوا مُخْطِئِينَ فِيهِ.