Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:154
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المُنافِقِينَ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا لَوْ قَبِلَ مِنّا رَأْيَنا ونُصْحَنا، لَما وقَعَ في هَذِهِ المِحْنَةِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا الجَوابُ إنَّما يَنْتَظِمُ لَوْ كانَتْ أفْعالُ العِبادِ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ ومَشِيئَتِهِ إذْ لَوْ كانَتْ خارِجَةً عَنْ مَشِيئَتِهِ لَمْ يَكُنْ هَذا الجَوابُ دافِعًا لِشُبْهَةِ المُنافِقِينَ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ما ذَكَرْنا. وأيْضًا فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ مُطابِقٌ لِلْبُرْهانِ العَقْلِيِّ، وذَلِكَ لِأنَّ المَوْجُودَ، إمّا واجِبٌ لِذاتِهِ أوْ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلى عَدَمِهِ إلّا عِنْدَ الِانْتِهاءِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى مُسْتَنِدٌ إلى إيجادِهِ وتَكْوِينِهِ، وهَذِهِ القاعِدَةُ لا اخْتِصاصَ لَها بِمُحْدَثٍ دُونَ مُحْدَثٍ، أوْ مُمْكِنٍ دُونَ مُمْكِنٍ، فَتَدْخُلُ فِيهِ أفْعالُ العِبادِ وحَرَكاتُهم وسَكَناتُهم، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وهَذا كَلامٌ في غايَةِ الظُّهُورِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإنْصافِ.
* * *
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ .