Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:153
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وسادِسُها: غَمُّهم بِسَبَبِ التَّوْبَةِ الَّتِي صارَتْ واجِبَةً عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم إذا تابُوا عَنْ تِلْكَ المَعْصِيَةِ لَمْ تَتِمَّ تَوْبَتُهم إلّا بِتَرْكِ الهَزِيمَةِ والعَوْدِ إلى المُحارَبَةِ بَعْدَ الِانْهِزامِ، وذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُنْهَزِمًا يَصِيرُ ضَعِيفَ القَلْبِ جَبانًا، فَإذا أُمِرَ بِالمُعاوَدَةِ، فَإنْ فَعَلَ خافَ القَتْلَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ خافَ
صفحة ٣٥
الكُفْرَ أوْ عِقابَ الآخِرَةِ، وهَذا الغَمُّ لا شَكَّ أنَّهُ أعْظَمُ الغُمُومِ والأحْزانِ، وإذا عَرَفْتَ هَذِهِ الجُمْلَةَ فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ ونَحْنُ نَعُدُّها:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما أصابَهم عِنْدَ الفَشَلِ والتَّنازُعِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما حَصَلَ بِسَبَبِ فَوْتِ الغَنائِمِ، والغَمَّ الثّانِي ما حَصَلَ بِسَبَبِ أنَّ أبا سُفْيانَ وخالِدَ بْنَ الوَلِيدِ اطَّلَعا عَلى المُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وقَتَلُوا مِنهم جَمْعًا عَظِيمًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الغَمَّ الأوَّلَ ما كانَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أبِي سُفْيانَ وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ، والغَمَّ الثّانِي هو أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا رَجَعُوا خافَ الباقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أنَّهم لَوْ رَجَعُوا لَقَتَلُوا الكُلَّ فَصارَ هَذا الغَمُّ بِحَيْثُ أذْهَلَهم عَنِ الغَمِّ الأوَّلِ.