Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:152
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ الذَّنْبَ لا شَكَّ أنَّهُ كانَ كَبِيرَةً؛ لِأنَّهم خالَفُوا صَرِيحَ نَصِّ الرَّسُولِ، وصارَتْ تِلْكَ المُخالَفَةُ سَبَبًا لِانْهِزامِ المُسْلِمِينَ، وقَتْلِ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِن أكابِرِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الكَبائِرِ وأيْضًا: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنْفالِ: ١٦] يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ خاصٌّ في بَدْرٍ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ولا تَفاوُتَ في المَقْصُودِ، فَكانَ التَّخْصِيصُ مُمْتَنِعًا، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى عَفا عَنْهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، فَصارَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ، وأمّا دَلِيلُ المُعْتَزِلَةِ في المَنعِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الجَوابُ عَنْهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وهو راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالنَّصْرِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالعَفْوِ عَنِ المُذْنِبِينَ ثانِيًا. وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ هَذا الذَّنْبَ كانَ
صفحة ٣٣
مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى سَمّاهُمُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ بِخِلافِ ما تَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.