Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:152
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ مَن كانَ مَعْذُورًا في الِانْصِرافِ ومَن لَمْ يَكُنْ، وهُمُ الَّذِينَ بَدَءُوا بِالهَزِيمَةِ فَمَضَوْا وعَصَوْا فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ راجِعٌ إلى المَعْذُورِينَ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى قِسْمَيْنِ وعَلى حُكْمَيْنِ رَجَعَ كُلُّ حُكْمٍ إلى القِسْمِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] والمُرادُ الَّذِي قالَ لَهُ: (لا تَحْزَنْ) وهو أبُو بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ خائِفًا قَبْلَ هَذا القَوْلِ، فَلَمّا سَمِعَ هَذا سَكَنَ، ثُمَّ قالَ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وعَنى بِذَلِكَ الرَّسُولَ دُونَ أبِي بَكْرٍ؛ لِأنَّهُ كانَ قَدْ جَرى ذِكْرُهُما جَمِيعًا، فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرَهُ الجِبائِيُّ في هَذا المَقامِ.
والوَجْهُ الثّانِي: ما ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، وهو أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ أنَّهُ تَعالى أزالَ ما كانَ في قُلُوبِ الكُفّارِ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ عُقُوبَةً مِنهُ عَلى عِصْيانِهِمْ وفَشَلِهِمْ، ثُمَّ قالَ: (لِيَبْتَلِيَكم) أيْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ الصَّرْفَ مِحْنَةً عَلَيْكم لِتَتُوبُوا إلى اللَّهِ وتَرْجِعُوا إلَيْهِ وتَسْتَغْفِرُوهُ فِيما خالَفْتُمْ فِيهِ أمْرَهُ ومِلْتُمْ فِيهِ إلى الغَنِيمَةِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى قَدْ عَفا عَنْهم.