Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:152
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: قالَ الجِبائِيُّ: إنَّ الرُّماةَ كانُوا فَرِيقَيْنِ، بَعْضُهم فارَقُوا المَكانَ أوَّلًا لِطَلَبِ الغَنائِمِ، وبَعْضُهم بَقُوا هُناكَ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَقُوا أحاطَ بِهِمُ العَدُوُّ، فَلَوِ اسْتَمَرُّوا عَلى المُكْثِ هُناكَ لَقَتَلَهُمُ العَدُوُّ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ أصْلًا، فَلِهَذا السَّبَبِ جازَ لَهم أنْ يَتَنَحَّوْا عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى مَوْضِعٍ يَتَحَرَّزُونَ فِيهِ عَنِ العَدُوِّ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَهَبَ إلى الجَبَلِ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ وتَحَصَّنُوا بِهِ
صفحة ٣٢
ولَمْ يَكُونُوا عُصاةً بِذَلِكَ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الِانْصِرافُ جائِزًا أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ بِأمْرِهِ وإذْنِهِ، ثُمَّ قالَ: (لِيَبْتَلِيَكم) والمُرادُ أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَفَهم إلى ذَلِكَ المَكانِ وتَحَصَّنُوا بِهِ أمَرَهم هُناكَ بِالجِهادِ والذَّبِّ عَنْ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّ الإقْدامَ عَلى الجِهادِ بَعْدَ الِانْهِزامِ، وبَعْدَ أنْ شاهَدُوا في تِلْكَ المَعْرَكَةِ قَتْلَ أقْرِبائِهِمْ وأحِبّائِهِمْ هو مِن أعْظَمِ أنْواعِ الِابْتِلاءِ.
فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الكُفّارِ ما كانُوا مُذْنِبِينَ، فَلِمَ قالَ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ .