Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:152
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهم لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ أصْحابِنا وقَوْلُ المُعْتَزِلَةِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ صَرْفَهم عَنِ الكُفّارِ مَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ ؟ أمّا أصْحابُنا فَهَذا الإشْكالُ غَيْرُ وارِدٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهم أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ بِإرادَةِ اللَّهِ وتَخْلِيقِهِ، فَعَلى هَذا قالُوا: مَعْنى هَذا الصَّرْفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ المُسْلِمِينَ عَنِ الكُفّارِ، وألْقى الهَزِيمَةَ عَلَيْهِمْ وسَلَّطَ الكُفّارَ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذا التَّأْوِيلُ غَيْرُ جائِزٍ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والعَقْلُ، أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٥٥] فَأضافَ ما كانَ مِنهم إلى فِعْلِ الشَّيْطانِ، فَكَيْفَ يُضِيفُهُ بَعْدَ هَذا إلى نَفْسِهِ ؟ وأمّا المَعْقُولُ فَهو أنَّهُ تَعالى عاتَبَهم عَلى ذَلِكَ الِانْصِرافِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُعاتَبَةُ القَوْمِ عَلَيْهِ، كَما لا يَجُوزُ مُعاتَبَتُهم عَلى طُولِهِمْ وقِصَرِهِمْ وصِحَّتِهِمْ ومَرَضِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ هَذا ذَكَرُوا وُجُوهًا مِنَ التَّأْوِيلِ: