Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:152
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا في قِصَّةِ أُحُدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ أُحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ واسْتَقْبَلَ المَدِينَةَ وأقامَ الرُّماةَ عِنْدَ الجَبَلِ، وأمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا هُناكَ ولا يَبْرَحُوا، سَواءٌ كانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أقْبَلَ المُشْرِكُونَ جَعَلَ الرُّماةُ يَرْشُقُونَ نَبْلَهم والباقُونَ يَضْرِبُونَهم بِالسُّيُوفِ حَتّى انْهَزَمُوا، والمُسْلِمُونَ عَلى آثارِهِمْ يَحُسُّونَهم»، قالَ اللَّيْثُ: الحَسُّ: القَتْلُ الذَّرِيعُ، تَحُسُّونَهم: أيْ تَقْتُلُونَهم قَتْلًا كَثِيرًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ، والزَّجّاجُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: الحَسُّ: الِاسْتِئْصالُ بِالقَتْلِ، يُقالُ: جَرادٌ مَحْسُوسٌ. إذا قَتَلَهُ البَرْدُ. وسَنَةٌ حَسُوسٌ: إذا أتَتْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى ”تَحُسُّونَهُمْ“ أيْ تَسْتَأْصِلُونَهم قَتْلًا، قالَ أصْحابُ الِاشْتِقاقِ: ”حَسَّهُ“ إذا قَتَلَهُ لِأنَّهُ أبْطَلَ حِسَّهُ بِالقَتْلِ، كَما يُقالُ: بَطَنَهُ: إذا أصابَ بَطْنَهُ، ورَأسَهُ: إذا أصابَ رَأْسَهُ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) أيْ بِعِلْمِهِ، ومَعْنى الكَلامِ أنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَكُمُ النَّصْرَ بِشَرْطِ التَّقْوى والصَّبْرِ عَلى الطّاعَةِ فَما دُمْتُمْ وافِينَ بِهَذا الشَّرْطِ أنْجَزَ وعْدَهُ ونَصَرَكم عَلى أعْدائِكم، فَلَمّا تَرَكْتُمُ الشَّرْطَ وعَصَيْتُمْ أمْرَ رَبِّكم لا جَرَمَ زالَتْ تِلْكَ النُّصْرَةُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: