Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:151
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ الرُّعْبِ في جَمِيعِ الكُفّارِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى إجْراءِ هَذا العُمُومِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِأنَّهُ لا أحَدَ يُخالِفُ دِينَ الإسْلامِ إلّا وفي قَلْبِهِ ضَرْبٌ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ المُسْلِمِينَ، إمّا في الحَرْبِ، وإمّا عِنْدَ المُحاجَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ جَمِيعِ أنْواعِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ الكُفّارِ، إنَّما يَقْتَضِي وُقُوعَ هَذِهِ الحَقِيقَةِ في قُلُوبِهِمْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، وذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِأُولَئِكَ الكُفّارِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: بِسَبَبِ إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ تَقْدِيرَ هَذا بِالوَجْهِ المَعْقُولِ هو أنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَصِيرُ في مَحَلِّ الإجابَةِ عِنْدَ الِاضْطِرارِ كَما قالَ: ﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ [النَّمْلِ: ٦٢] ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كانَ هَذا المَعْبُودُ لا يَنْصُرُنِي، فَذاكَ الآخَرُ يَنْصُرُنِي، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ الِاضْطِرارُ لَمْ تَحْصُلِ الإجابَةُ ولا النُّصْرَةُ،
صفحة ٢٨
وإذا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ الرُّعْبُ والخَوْفُ في قَلْبِهِ، فَثَبَتَ أنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ يُوجِبُ الرُّعْبَ.