Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:149-150
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ اللَّفْظَ لَمّا كانَ عامًّا وجَبَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ خُسْرانُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أمّا خُسْرانُ الدُّنْيا فَلِأنَّ أشَقَّ الأشْياءِ عَلى العُقَلاءِ في الدُّنْيا الِانْقِيادُ لِلْعَدُوِّ والتَّذَلُّلُ لَهُ وإظْهارُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأمّا خُسْرانُ الآخِرَةِ فالحِرْمانُ عَنِ الثَّوابِ المُؤَبَّدِ والوُقُوعُ في العِقابِ المُخَلَّدِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ والمَعْنى أنَّكم إنَّما تُطِيعُونَ الكُفّارَ لِيَنْصُرُوكم ويُعِينُوكم عَلى مَطالِبِكم وهَذا جَهْلٌ؛ لِأنَّهم عاجِزُونَ مُتَحَيِّرُونَ، والعاقِلُ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَنْصُرُكم عَلى العَدُوِّ ويَدْفَعُ عَنْكم كَيْدَهُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ خَيْرُ النّاصِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ النُّصْرَةَ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِهَذا القَوْلِ، وإنَّما كانَ تَعالى خَيْرَ النّاصِرِينَ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نُصْرَتِكَ في كُلِّ ما تُرِيدُ، والعالِمُ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ دُعاؤُكَ وتَضَرُّعُكَ، والكَرِيمُ الَّذِي لا يَبْخَلُ في جُودِهِ، ونُصْرَةُ العَبِيدِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلِّ هَذِهِ الوُجُوهِ.
والثّانِي: أنَّهُ يَنْصُرُكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وغَيْرُهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.