Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:145
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] دَلالَةً عَلى أنَّهُ كَتَبَ هَذا التَّحْرِيمَ عَلَيْكم، ومِثْلُهُ: صُنْعَ اللَّهِ، ووَعْدَ اللَّهِ، وفِطْرَةَ اللَّهِ، وصِبْغَةَ اللَّهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ بِالكِتابِ المُؤَجَّلِ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى الآجالِ، ويُقالُ: إنَّهُ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، كَما ورَدَ في الأحادِيثِ ”«أنَّهُ تَعالى قالَ لِلْقَلَمِ اكْتُبْ، فَكَتَبَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ .
واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ الحَوادِثِ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى، وجَمِيعَ حَوادِثِ هَذا العالَمِ مِنَ الخَلْقِ والرِّزْقِ والأجَلِ والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَكْتُوبَةً في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَلَوْ وقَعَتْ بِخِلافِ عِلْمِ اللَّهِ لانْقَلَبَ عِلْمُهُ جَهْلًا، ولانْقَلَبَ ذَلِكَ الكِتابُ كَذِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ هَذا المَعْنى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وأكَّدَهُ بِحَدِيثِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، وبِالحَدِيثِ المَشْهُورِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ”«فَحَجَّ آدَمُ مُوسى» “ قالَ القاضِي: أمّا الأجَلُ والرِّزْقُ فَهُما مُضافانِ إلى اللَّهِ، وأمّا الكُفْرُ والفِسْقُ والإيمانُ والطّاعَةُ فَكُلُّ ذَلِكَ مُضافٌ إلى العَبْدِ، فَإذا كَتَبَ تَعالى ذَلِكَ فَإنَّما يَكْتُبُ بِعِلْمِهِ مِنَ اخْتِيارِ العَبْدِ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُ العَبْدَ مِن أنْ يَكُونَ هو المَذْمُومَ أوِ المَمْدُوحَ.