Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:142-143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ أنَّ حُبَّ الدُّنْيا لا يَجْتَمِعُ مَعَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَبِقَدْرِ ما يَزْدادُ أحَدَهُما يَنْتَقِصُ الآخَرُ، وذَلِكَ لِأنَّ سَعادَةَ الدُّنْيا لا تَحْصُلُ إلّا بِاشْتِغالِ القَلْبِ بِطَلَبِ الدُّنْيا، والسَّعادَةُ في الآخِرَةِ لا تَحْصُلُ إلّا بِفَراغِ القَلْبِ مِن كُلِّ ما سِوى اللَّهِ وامْتِلائِهِ مِن حُبِّ اللَّهِ، وهَذانَ الأمْرانِ مِمّا لا يَجْتَمِعانِ، فَلِهَذا السِّرِّ وقَعَ الِاسْتِبْعادُ الشَّدِيدُ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اجْتِماعِهِما، وأيْضًا حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ الآخِرَةِ لا يَتِمُّ بِالدَّعْوى، فَلَيْسَ كُلُّ مَن أقَرَّ بِدِينِ اللَّهِ كانَ صادِقًا، ولَكِنَّ الفَصْلَ فِيهِ تَسْلِيطُ المَكْرُوهاتِ والمَحْبُوباتِ، فَإنَّ الحُبَّ هو الَّذِي لا يُنْتَقَصُ بِالجَفاءِ ولا يَزْدادُ بِالوَفاءِ، فَإنْ بَقِيَ الحُبُّ عِنْدَ تَسْلِيطِ أسْبابِ البَلاءِ ظَهَرَ أنَّ ذَلِكَ الحُبَّ كانَ حَقِيقِيًّا، فَلِهَذِهِ الحِكْمَةِ قالَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِكُمُ الرَّسُولَ قَبْلَ أنْ يَبْتَلِيَكُمُ اللَّهُ بِالجِهادِ وتَشْدِيدِ المِحْنَةِ واللَّهُ أعْلَمُ.