Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:140-141
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: العِلْمُ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُكْتَفى فِيهِ بِمَفْعُولٍ واحِدٍ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا، أيْ عَلِمْتُ ذاتَهُ وعَرَفْتُهُ، وقَدْ يَفْتَقِرُ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَما يُقالُ: عَلِمْتُ زَيْدًا كَرِيمًا، والمُرادُ مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا القِسْمُ الثّانِي، إلّا أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ بِالإيمانِ مِن غَيْرِهِمْ، أيِ الحِكْمَةُ في هَذِهِ المُداوَلَةِ أنْ يَصِيرَ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَمَيِّزِينَ عَمَّنْ يَدَّعِي الإيمانَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هاهُنا مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، بِمَعْنى مَعْرِفَةِ الذّاتِ، والمَعْنى ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما يَظْهَرُ مِن صَبْرِهِمْ عَلى جِهادِ عَدُوِّهِمْ، أيْ لِيَعْرِفَهم بِأعْيانِهِمْ إلّا أنَّ سَبَبَ حُدُوثِ هَذا العِلْمِ، وهو ظُهُورُ الصَّبْرِ حُذِفَ هاهُنا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ ذِكْرُ الحِكْمَةِ الثّانِيَةِ في تِلْكَ المُداوَلَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَتَّخِذُ مِنكم شُهَداءَ عَلى النّاسِ بِما صَدَرَ مِنهم مَنِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، فَإنَّ كَوْنَهم شُهَداءَ عَلى النّاسِ مَنصِبٌ عالٍ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ.