Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:137
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُرادُ مِنَ الآيَةِ: قَدِ انْقَضَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ السّالِفَةِ، واخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فالأكْثَرُونَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُنَنُ الهَلاكِ والِاسْتِئْصالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم خالَفُوا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ لِلْحِرْصِ عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ لَذّاتِها، ثُمَّ انْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ مِن دُنْياهم أثَرٌ وبَقِيَ اللَّعْنُ في الدُّنْيا والعِقابُ في الآخِرَةِ عَلَيْهِمْ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ في تَأمُّلِ أحْوالِ هَؤُلاءِ الماضِينَ لِيَصِيرَ ذَلِكَ داعِيًا لَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ والإعْراضِ عَنِ الرِّياسَةِ في الدُّنْيا وطَلَبِ الجاهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلِ المُرادُ سُنَنُ اللَّهِ تَعالى في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ الدُّنْيا ما بَقِيَتْ لا مَعَ المُؤْمِنِ ولا مَعَ الكافِرِ، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ يَبْقى لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ الثَّناءُ الجَمِيلُ في الدُّنْيا والثَّوابُ الجَزِيلُ في العُقْبى، والكافِرُ بَقِيَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعِقابُ في العُقْبى ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ لِأنَّ التَّأمُّلَ في حالِ أحَدِ القِسْمَيْنِ يَكْفِي في مَعْرِفَةِ حالِ القِسْمِ الآخَرِ، وأيْضًا يُقالُ الغَرَضُ مِنهُ زَجْرُ الكُفّارِ عَنْ كُفْرِهِمْ وذَلِكَ إنَّما يُعْرَفُ بِتَأمُّلِ أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصّافّاتِ: ١٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٢٨] وقَوْلُهُ: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٥] .