Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:135-136
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
مَضى مَعَ العَزْمِ عَلى تَرْكِ مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، فَهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوْبَةِ، فَأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، فَذاكَ لا أثَرَ لَهُ في إزالَةِ الذَّنْبِ، بَلْ يَجِبُ إظْهارُ هَذا الِاسْتِغْفارِ لِإزالَةِ التُّهْمَةِ، ولِإظْهارِ كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا إلى اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: (لِذُنُوبِهِمْ) أيْ لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يَطْلُبَ العَبْدُ المَغْفِرَةَ إلّا مِنهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى عِقابِ العَبْدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ هو القادِرَ عَلى إزالَةِ ذَلِكَ العِقابِ عَنْهُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ طَلَبُ الِاسْتِغْفارِ إلّا مِنهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ حالٌ مِن فِعْلِ الإصْرارِ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الذُّنُوبِ حالَ ما كانُوا عالِمِينَ بِكَوْنِها مَحْظُورَةً مُحَرَّمَةً لِأنَّهُ قَدْ يُعْذَرُ مَن لا يَعْلَمُ حُرْمَةَ الفِعْلِ، أمّا العالِمُ بِحُرْمَتِهِ فَإنَّهُ لا يُعْذَرُ في فِعْلِهِ ألْبَتَّةَ.