Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الأُولى: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ الأرْضِ، ومِنَ المَشْهُورِ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أدْخَلَ جَناحَهُ تَحْتَ المَدائِنِ الأرْبَعِ لِقَوْمِ لُوطٍ وبَلَغَ جَناحُهُ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ وقَلَبَ عالِيَها سافِلَها، فَإذا حَضَرَ هو يَوْمَ بَدْرٍ، فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ ؟ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ حُضُورِهِ، فَأيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ ؟
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: أنَّ أكابِرَ الكُفّارِ كانُوا مَشْهُورِينَ وكُلُّ واحِدٍ مِنهم مُقابِلُهُ مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إسْنادُ قَتْلِهِ إلى المَلائِكَةِ.
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: المَلائِكَةُ لَوْ قاتَلُوا لَكانُوا إمّا أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا يَراهُمُ النّاسُ فَإنْ رَآهُمُ النّاسُ فَإمّا أنْ يُقالَ إنَّهم رَأوْهم في صُورَةِ النّاسِ أوْ في غَيْرِ صُورَةِ النّاسِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ صارَ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ ثَلاثَةَ آلافٍ، أوْ أكْثَرَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِذَلِكَ، ولِأنَّ هَذا عَلى خِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وإنْ شاهَدُوهم في صُورَةٍ غَيْرِ صُوَرِ النّاسِ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ، فَإنَّ مَن شاهَدَ الجِنَّ لا شَكَّ أنَّهُ يَشْتَدُّ فَزَعُهُ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ.