Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:117
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قُلْنا: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّهم عَصَوُا اللَّهَ فاسْتَحَقُّوا هَلاكَ حَرْثِهِمْ عُقُوبَةً لَهم، والفائِدَةُ في ذِكْرِهِ هي أنَّ الغَرَضَ تَشْبِيهُ ما يُنْفِقُونَ بِشَيْءٍ يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، وحَرْثُ الكافِرِينَ الظّالِمِينَ هو الَّذِي يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ ولا يَحْصُلُ مِنهُ مَنفَعَةٌ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، فَأمّا حَرْثُ المُسْلِمِ المُؤْمِنِ فَلا يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّهُ وإنْ كانَ يَذْهَبُ صُورَةً فَلا يَذْهَبُ مَعْنًى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَزِيدُ في ثَوابِهِ لِأجْلِ وُصُولِ تِلْكَ الأحْزانِ إلَيْهِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ هو أنَّهم زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزَّرْعِ أوْ في غَيْرِ وقْتِهِ، لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَأكَّدُ وجْهُ التَّشْبِيهِ، فَإنْ مَن زَرَعَ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ يَضِيعُ، ثُمَّ إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ البارِدَةُ كانَ أوْلى بِأنْ يَصِيرَ ضائِعًا، فَكَذا هاهُنا الكُفّارُ لَمّا أتَوْا بِالإنْفاقِ لا في مَوْضِعِهِ ولا في وقْتِهِ ثُمَّ أصابَهُ شُؤْمُ كُفْرِهِمُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصِيرَ ضائِعًا، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *