Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:113-114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ التِّلاوَةِ كَأنَّهم يَقْرَءُونَ القُرْآنَ في السَّجْدَةِ مُبالَغَةً في الخُضُوعِ والخُشُوعِ إلّا أنَّ القَفّالَ رَحِمَهُ اللَّهُ رَوى في ”تَفْسِيرِهِ“ حَدِيثًا: أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ألا إنِّي نُهِيتُ أنْ أقْرَأ راكِعًا أوْ ساجِدًا» “ . الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا والمَعْنى أنَّهم يَقُومُونَ تارَةً يَبْتَغُونَ الفَضْلَ والرَّحْمَةَ بِأنْواعِ ما يَكُونُ في الصَّلاةِ مِنَ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى وهو كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] قالَ الحَسَنُ: يُرِيحُ رَأْسَهُ بِقَدَمَيْهِ وقَدَمَيْهِ بِرَأْسِهِ، وهَذا عَلى مَعْنى إرادَةِ الرّاحَةِ وإزالَةِ التَّعَبِ وإحْداثِ النَّشاطِ. الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أنَّهم يُصَلُّونَ وصَفَهم بِالتَّهَجُّدِ بِاللَّيْلِ، والصَّلاةُ تُسَمّى سُجُودًا وسَجْدَةً ورُكُوعًا ورَكْعَةً وتَسْبِيحًا وتَسْبِيحَةً، قالَ تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أيْ صَلُّوا وقالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] والمُرادُ الصَّلاةُ. الرّابِعُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْضَعُونَ ويَخْشَعُونَ لِلَّهِ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الخُشُوعَ سُجُودًا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [النمل: ٤٩] وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ ذَكَرَها القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ.