Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:113-114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ كانَ تَمامُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: ومِنهم أُمَّةٌ مَذْمُومَةٌ، إلّا أنَّهُ أضْمَرَ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ مِن أنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ الضِّدِّ الآخَرِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ الضِّدَّيْنِ يُعْلَمانِ مَعًا، فَذِكْرُ أحَدِهِما يَسْتَقِلُّ بِإفادَةِ العِلْمِ بِهِما، فَلا جَرَمَ يَحْسُنُ إهْمالُ الضِّدِّ الآخَرِ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّيَ لامْرُؤٌ مُطِيعٌ فَلا أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
أرادَ (أمْ غَيٌّ) فاكْتَفى بِذِكْرِ الرُّشْدِ عَنْ ذِكْرِ الغَيِّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا حاجَةَ إلى إضْمارِ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُمَّةِ المَذْمُومَةِ قَدْ جَرى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِها مَرَّةً أُخْرى، لِأنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ بِالضِّدَّيْنِ مَعًا كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، وهَذا كَما يُقالُ: زَيْدٌ وعَبْدُ اللَّهِ لا يَسْتَوِيانِ زَيْدٌ عاقِلٌ دَيِّنٌ زَكِيٌّ، فَيُغْنِي عَنْ هَذا أنْ يُقالَ: وعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَذا هَهُنا لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ أغْنى ذَلِكَ عَنِ الإضْمارِ.