Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ كُرِّرَ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ وما الحِكْمَةُ فِيهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، لِأنَّ التَّأْكِيدَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِشَيْءٍ أقْوى مِنَ المُؤَكَّدِ، والعِصْيانُ أقَلُّ حالًا مِنَ الكُفْرِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْكِيدُ الكُفْرِ بِالعِصْيانِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ عِلَّةَ الذِّلَّةِ والغَضَبِ والمَسْكَنَةِ هي الكُفْرُ وقَتْلُ الأنْبِياءِ، وعِلَّةُ الكُفْرِ وقَتْلُ الأنْبِياءِ هي المَعْصِيَةُ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا تَوَغَّلُوا في المَعاصِي والذُّنُوبِ فَكانَتْ ظُلُماتُ المَعاصِي تَتَزايَدُ حالًا فَحالًا، ونُورُ الإيمانِ يَضْعُفُ حالًا فَحالًا، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إلى أنْ بَطَلَ نُورُ الإيمانِ وحَصَلَتْ ظُلْمَةُ الكُفْرِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ إشارَةٌ إلى عِلَّةِ العِلَّةِ ولِهَذا المَعْنى قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرِيضَةِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرِيضَةِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرِيعَةِ، ومَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ.