Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (مَعَ) كَقَوْلِهِمْ: اخْرُجْ بِنا نَفْعَلْ كَذا، أيْ مَعَنا، والتَّقْدِيرُ: إلّا مَعَ حَبْلٍ مِنَ اللَّهِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُرادُ مِن حَبْلِ اللَّهِ عَهْدُهُ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ العَهْدَ إنَّما سُمِّيَ بِالحَبْلِ لِأنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ قَبْلَ العَهْدِ خائِفًا، صارَ ذَلِكَ الخَوْفُ مانِعًا لَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى مَطْلُوبِهِ، فَإذا حَصَلَ العَهْدُ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ العَهْدِ إلى الوُصُولِ إلى مَطْلُوبِهِ، فَصارَ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالحَبْلِ الَّذِي مَن تَمَسَّكَ بِهِ تَخَلَّصَ مِن خَوْفِ الضَّرَرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ عَطَفَ عَلى حَبْلِ اللَّهِ حَبْلًا مِنَ النّاسِ وذَلِكَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ فَكَيْفَ هَذِهِ المُغايَرَةُ ؟
قُلْنا: قالَ بَعْضُهم: حَبْلُ اللَّهِ هو الإسْلامُ، وحَبْلُ النّاسِ هو العَهْدُ والذِّمَّةُ، وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: أوْ حَبْلٍ مِنَ النّاسِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِكِلا الحَبْلَيْنِ العَهْدُ والذِّمَّةُ والأمانُ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الحَبْلَيْنِ لِأنَّ الأمانَ المَأْخُوذَ مِنَ المُؤْمِنِينَ هو الأمانُ المَأْخُوذُ بِإذْنِ اللَّهِ وهَذا عِنْدِي أيْضًا ضَعِيفٌ، والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أنَّ الأمانَ الحاصِلَ لِلذِّمِّيِّ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: الَّذِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وهو أخْذُ الجِزْيَةِ.
والثّانِي: الَّذِي فُوِّضَ إلى رَأْيِ الإمامِ فَيُزِيدُ فِيهِ تارَةً ويُنْقِصُ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ.