Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
السُّؤالُ الأوَّلُ: مِن أيِّ وجْهٍ يَقْتَضِي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانُ بِاللَّهِ كَوْنَ هَذِهِ الأُمَّةِ خَيْرَ الأُمَمِ مَعَ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ كانَتْ حاصِلَةً في سائِرِ الأُمَمِ ؟
والجَوابُ: قالَ القَفّالُ: تَفْضِيلُهم عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم إنَّما حَصَلَ لِأجْلِ أنَّهم يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ بِآكَدِ الوُجُوهِ وهو القِتالُ لِأنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ قَدْ يَكُونُ بِالقَلْبِ وبِاللِّسانِ وبِاليَدِ، وأقْواها ما يَكُونُ بِالقِتالِ، لِأنَّهُ إلْقاءُ النَّفْسِ في خَطَرِ القَتْلِ. وأعْرَفُ المَعْرُوفاتِ الدِّينُ الحَقُّ والإيمانُ بِالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، وأنْكَرُ المُنْكَراتِ: الكُفْرُ بِاللَّهِ، فَكانَ الجِهادُ في الدِّينِ مَحْمَلًا لِأعْظَمِ المَضارِّ لِغَرَضِ إيصالِ الغَيْرِ إلى أعْظَمِ المَنافِعِ، وتَخْلِيصِهِ مِن أعْظَمِ المَضارِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الجِهادُ أعْظَمَ العِباداتِ، ولَمّا كانَ أمْرُ الجِهادِ في شَرْعِنا أقْوى مِنهُ في سائِرِ الشَّرائِعِ، لا جَرَمَ صارَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِفَضْلِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ تَأْمُرُونَهم أنْ يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ويُقِرُّوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وتُقاتِلُونَهم عَلَيْهِ، و”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ أعْظَمُ المَعْرُوفِ، والتَّكْذِيبُ هو أنْكَرُ المُنْكَرِ.