Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يَعْنِي كَما أنَّكُمُ اكْتَسَبْتُمْ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ بِسَبَبِ هَذِهِ الخِصالِ، فَأهْلُ الكِتابِ لَوْ آمَنُوا لَحَصَلَتْ لَهم أيْضًا صِفَةُ الخَيْرِيَّةِ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ حُجَّةٌ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ. الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ثُمَّ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أفْضَلَ مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى، وإذا كانَ هَؤُلاءِ أفْضَلَ مِنهم وجَبَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ إذْ لَوْ جازَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ تَحْكُمَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لامْتَنَعَ كَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ أفْضَلَ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي تُهْدِي بِالحَقِّ، لِأنَّ المُبْطِلَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ المُحِقِّ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لا تَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حُجَّةً.
الوَجْهُ الثّانِي: وهو (أنَّ الألِفَ واللّامَ) في لَفْظِ (المَعْرُوفِ) ولَفْظِ (المُنْكَرِ) يُفِيدانِ الِاسْتِغْراقَ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَهم آمِرِينَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ، وناهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ ومَتى كانُوا كَذَلِكَ كانَ إجْماعُهم حَقًّا وصِدْقًا لا مَحالَةَ فَكانَ حُجَّةً، والمَباحِثُ الكَثِيرَةُ فِيهِ ذَكَرْناها في الأُصُولِ.