Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٥٣
تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّهُ لا يُرِيدُ ذَلِكَ، والتَّمَدُّحُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ صَحَّ مِنهُ فِعْلُ ذَلِكَ الشَّيْءِ وصَحَّ مِنهُ كَوْنُهُ مُرِيدًا لَهُ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى الظُّلْمِ وعِنْدَ هَذا تَبَجَّحُوا وقالُوا: هَذِهِ الآيَةُ الواحِدَةُ وافِيَةٌ بِتَقْرِيرِ جَمِيعِ أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ في مَسائِلِ العَدْلِ، ثُمَّ قالُوا: ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ ولا يَفْعَلُ الظُّلْمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ والقَبائِحَ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ فاعِلَ القَبِيحِ إنَّما يَفْعَلُ القَبِيحَ إمّا لِلْجَهْلِ، أوِ العَجْزِ، أوِ الحاجَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ لِأنَّهُ مالِكٌ لِكُلِّ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وهَذِهِ المالِكِيَّةُ تُنافِي الجَهْلَ والعَجْزَ والحاجَةَ، وإذا امْتَنَعَ ثُبُوتُ هَذِهِ الصِّفاتِ في حَقِّهِ تَعالى امْتَنَعَ كَوْنُهُ فاعِلًا لِلْقَبِيحِ. والثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لا يُرِيدُ الظُّلْمَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنّا نُشاهِدُ وُجُودَ الظُّلْمِ في العالَمِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ وُقُوعُهُ بِإرادَتِهِ كانَ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ ضَعِيفًا عاجِزًا مَغْلُوبًا وذَلِكَ مُحالٌ.