Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (مِنكم) قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ (مِن) هاهُنا لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ لِدَلِيلَيْنِ. الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عَلى كُلِّ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] والثّانِي: هو أنَّهُ لا مُكَلَّفَ إلّا ويَجِبُ عَلَيْهِ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، إمّا بِيَدِهِ، أوْ بِلِسانِهِ، أوْ بِقَلْبِهِ، ويَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كُونُوا أُمَّةً دُعاةً إلى الخَيْرِ آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ، وأمّا كَلِمَةُ (مِن) فَهي هُنا لِلتَّبْيِينِ لا لِلتَّبْعِيضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] ويُقالُ أيْضًا: لِفُلانٍ مِن أوْلادِهِ جُنْدٌ ولِلْأمِيرِ مِن غِلْمانِهِ عَسْكَرٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ جَمِيعَ أوْلادِهِ وغِلْمانِهِ لا بَعْضَهم، كَذا هاهُنا، ثُمَّ قالُوا: إنَّ
صفحة ١٤٦
ذَلِكَ وإنْ كانَ واجِبًا عَلى الكُلِّ إلّا أنَّهُ مَتى قامَ بِهِ قَوْمٌ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وقَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] فالأمْرُ عامٌّ، ثُمَّ إذا قامَتْ بِهِ طائِفَةٌ وقَعَتِ الكِفايَةُ وزالَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ.