Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:102-109
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَها النِّعْمَةَ الأُخْرَوِيَّةَ، وهي ما ذَكَرَهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَعْنى أنَّكم كُنْتُمْ مُشْرِفِينَ بِكُفْرِكم عَلى جَهَنَّمَ، لِأنَّ جَهَنَّمَ مُشْبِهَةٌ بِالحُفْرَةِ الَّتِي فِيها النّارُ فَجَعَلَ اسْتِحْقاقَهم لِلنّارِ بِكُفْرِهِمْ كالإشْرافِ مِنهم عَلى النّارِ، والمَصِيرِ مِنهم إلى حُفْرَتِها، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْقَذَهم مِن هَذِهِ الحُفْرَةِ، وقَدْ قَرُبُوا مِنَ الوُقُوعِ فِيها.
قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَطُفَ بِهِمْ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وسائِرِ ألْطافِهِ حَتّى آمَنُوا. قالَ أصْحابُنا: جَمِيعُ الألْطافِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ الإيمانِ ومُوجِدُهُ هو العَبْدُ لَكانَ العَبْدُ هو الَّذِي أنْقَذَ نَفْسَهُ مِنَ النّارِ، واللَّهُ تَعالى حَكَمَ بِأنَّهُ هو الَّذِي أنْقَذَهم مِنَ النّارِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ خالِقَ أفْعالِ العِبادِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: شَفا الشَّيْءِ حَرْفُهُ مَقْصُورٌ، مِثْلُ شَفا البِئْرِ والجَمْعُ الأشْفاءُ، ومِنهُ يُقالُ: أشْفى عَلى الشَّيْءِ إذا أشْرَفَ عَلَيْهِ كَأنَّهُ بَلَغَ شَفاهُ، أيْ حَدَّهُ وحَرْفَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْقَذَكم مِنها﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: يُقالُ نَقَذْتُهُ وأنْقَذْتُهُ واسْتَنْقَذْتُهُ، أيْ خَلَّصْتُهُ ونَجَّيْتُهُ.