Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:102-109
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قِيلَ إنَّ ذَلِكَ اليَهُودِيَّ لَمّا ألْقى الفِتْنَةَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ وهَمَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِمُحارَبَةِ صاحِبِهِ، فَخَرَجَ الرَّسُولُ ﷺ ولَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى سَكَنَتِ الفِتْنَةُ وكانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ أخَوَيْنِ لِأبٍ وأُمٍّ، فَوَقَعَتْ بَيْنَهُما العَداوَةُ، وتَطاوَلَتِ الحُرُوبُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً إلى أنْ أطْفَأ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِمْ وإلى أحْوالِهِمْ، فَإنَّهم قَبْلَ الإسْلامِ كانَ يُحارِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَبْغُضُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا أكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإسْلامِ صارُوا إخْوانًا مُتَراحِمِينَ مُتَناصِحِينَ وصارُوا إخْوَةً في اللَّهِ: ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مَن كانَ وجْهُهُ إلى الدُّنْيا كانَ مُعادِيًا لِأكْثَرِ الخَلْقِ، ومَن كانَ وجْهُهُ إلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُعادِيًا لِأحَدٍ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ يَنْظُرُ مِنَ الحَقِّ إلى الخَلْقِ فَيَرى الكُلَّ أسِيرًا في قَبْضَةِ القَضاءِ والقَدَرِ فَلا يُعادِي أحَدًا، ولِهَذا قِيلَ: إنَّ العارِفَ إذا أمَرَ أمَرَ بِرِفْقٍ ويَكُونُ ناصِحًا لا يُعَنِّفُ ويُعَيِّرُ فَهو مُسْتَبْصِرٌ بِسِرِّ اللَّهِ في القَدَرِ.