Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الفَضِيلَةُ السّابِعَةُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى وضَعَها بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ. والحِكْمَةُ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَطَعَ بِذَلِكَ رَجاءَ أهْلِ حَرَمِهِ وسَدَنَةِ بَيْتِهِ عَمَّنْ سِواهُ حَتّى لا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلى اللَّهِ. وثانِيها: أنَّهُ لا يَسْكُنُها أحَدٌ مِنَ الجَبابِرَةِ والأكاسِرَةِ فَإنَّهم يُرِيدُونَ طَيِّباتِ الدُّنْيا فَإذا لَمْ يَجِدُوها هُناكَ تَرَكُوا ذَلِكَ المَوْضِعَ، فالمَقْصُودُ تَنْزِيهُ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَنْ لَوْثِ وُجُودِ أهْلِ الدُّنْيا. وثالِثُها: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَقْصِدَها أحَدٌ لِلتِّجارَةِ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِمَحْضِ العِبادَةِ والزِّيارَةِ فَقَطْ. ورابِعُها: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ شَرَفَ الفَقْرِ حَيْثُ وضَعَ أشْرَفَ البُيُوتِ في أقَلِّ المَواضِعِ نَصِيبًا مِنَ الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْتُ الفُقَراءَ في الدُّنْيا أهْلَ البَلَدِ الأمِينِ، فَكَذَلِكَ أجْعَلُهم في الآخِرَةِ أهْلَ المَقامِ الأمِينِ، لَهم في الدُّنْيا بَيْتُ الأمْنِ وفي الآخِرَةِ دارُ الأمْنِ. وخامِسُها: كَأنَّهُ قالَ: لَمّا لَمْ أجْعَلِ الكَعْبَةَ إلّا في مَوْضِعٍ خالٍ عَنْ جَمِيعِ نِعَمِ الدُّنْيا فَكَذا لا أجْعَلُ كَعْبَةَ المَعْرِفَةِ إلّا في كُلِّ قَلْبٍ خالٍ عَنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيا، فَهَذا ما يَتَعَلَّقُ بِفَضائِلِ الكَعْبَةِ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَذا البَيْتَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ في أنْواعِ الفَضائِلِ والمَناقِبِ، وإذا ظَهَرَ هَذا بَطَلَ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أشْرَفُ مِنَ الكَعْبَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.