Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ كَوْنُ هَذا البَيْتِ أوَّلًا في كَوْنِهِ مُبارَكًا وهُدًى لِلْخَلْقِ. رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ أوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”المَسْجِدُ الحَرامُ ثُمَّ بَيْتُ المَقْدِسِ“ فَقِيلَ: كَمْ بَيْنَهُما ؟ قالَ: ”أرْبَعُونَ سَنَةً» “ وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ ؟ قالَ: لا، قَدْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ مُبارَكًا فِيهِ الهُدى والرَّحْمَةُ والبَرَكَةُ، أوَّلُ مَن بَناهُ إبْراهِيمُ،
صفحة ١٢٧
ثُمَّ بَناهُ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن جُرْهُمٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ العَمالِقَةُ، وهم مُلُوكٌ مِن أوْلادِ عِمْلِيقِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ هُدِمَ فَبَناهُ قُرَيْشٌ.
واعْلَمْ أنَّ دَلالَةَ الآيَةِ عَلى الأوَّلِيَّةِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأوَّلِيَّةِ بَيانُ الفَضِيلَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَرْجِيحُهُ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا إنَّما يَتِمُّ بِالأوَّلِيَّةِ في الفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، ولا تَأْثِيرَ لِلْأوَّلِيَّةِ في البِناءِ في هَذا المَقْصُودِ، إلّا أنَّ ثُبُوتَ الأوَّلِيَّةِ بِسَبَبِ الفَضِيلَةِ لا يُنافِي ثُبُوتَ الأوَّلِيَّةِ في البِناءِ، وقَدْ دَلَّلْنا عَلى ثُبُوتِ هَذا المَعْنى أيْضًا.
* * *