Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَشْتَرِكانِ في أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا هو الأصْوَبُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ. الأوَّلُ: أنَّ تَكْلِيفَ الصَّلاةِ كانَ لازِمًا في دِينِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨] فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، والسَّجْدَةُ لا بُدَّ لَها مِن قِبْلَةٍ، فَلَوْ كانَتْ قِبْلَةُ شِيثٍ وإدْرِيسَ ونُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَوْضِعًا آخَرَ سِوى القِبْلَةِ لَبَطَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّ قِبْلَةَ أُولَئِكَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ هي الكَعْبَةُ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الجِهَةَ كانَتْ أبَدًا مُشَرَّفَةً مُكَرَّمَةً. الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّى مَكَّةَ أُمَّ القُرى، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي أنَّها كانَتْ سابِقَةً عَلى سائِرِ البِقاعِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ مُنْذُ كانَتْ مَوْجُودَةً. الثّالِثُ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: ”ألا إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ والشَّمْسَ والقَمَرَ» “ وتَحْرِيمُ مَكَّةَ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ وُجُودِ مَكَّةَ. الرّابِعُ: أنَّ الآثارَ الَّتِي حَكَيْناها عَنِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ دالَّةٌ عَلى أنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.