Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:96
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَإنْ قِيلَ: كَوْنُهُ أوَّلًا في هَذا الوَصْفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لَهُ ثانٍ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ يُشارِكُهُ في هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي مِنها وُجُوبُ حَجِّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الأوَّلِ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُوجَدُ ابْتِداءً، سَواءٌ حَصَلَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ آخَرُ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، يُقالُ: هَذا أوَّلُ قُدُومِي مَكَّةَ، وهَذا أوَّلُ مالٍ أصَبْتُهُ، ولَوْ قالَ: أوَّلُ عَبْدٍ مَلَكْتُهُ فَهو حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدًا، عُتِقَ، وإنْ لَمْ يَمْلِكْ بَعْدَهُ عَبْدًا آخَرَ، فَكَذا هُنا. والثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ أيْ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِطاعاتِ النّاسِ وعِباداتِهِمْ، وبَيْتُ المَقْدِسِ يُشارِكُهُ في كَوْنِهِ بَيْتًا مَوْضُوعًا لِلطّاعاتِ والعِباداتِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، والمَسْجِدِ الأقْصى، ومَسْجِدِي هَذا“» فَهَذا القَدْرُ يَكْفِي في صِدْقِ كَوْنِ الكَعْبَةِ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وأمّا أنْ يَكُونَ بَيْتُ المَقْدِسِ مُشارِكًا لَهُ في جَمِيعِ الأُمُورِ حَتّى في وُجُوبِ الحَجِّ، فَهَذا غَيْرُ لازِمٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *