Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 3:93
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الرّابِعُ: أنَّهُ لا طاعَةَ إلّا لِلَّهِ ولِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيها أعْظَمُ نَصِيبٍ ولا شَكَّ أنَّ اسْتِنْباطَ أحْكامِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاجْتِهادِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ شاقَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيها نَصِيبٌ لا سِيَّما ومَعارِفُهم أكْثَرُ وعُقُولُهم أنْوَرُ وأذْهانُهم أصْفى وتَوْفِيقُ اللَّهِ وتَسْدِيدُهُ مَعَهم أكْثَرُ، ثُمَّ إذا حَكَمُوا بِحُكْمٍ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ يَحْرُمُ عَلى الأُمَّةِ مُخالَفَتُهم في ذَلِكَ الحُكْمِ، كَما أنَّ الإجْماعَ إذا انْعَقَدَ عَلى الِاجْتِهادِ فَإنَّهُ يَحْرُمُ مُخالَفَتُهُ، والأظْهَرُ الأقْوى أنَّ إسْرائِيلَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - إنَّما حَرَّمَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ بِالنَّصِّ لَقالَ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلى إسْرائِيلَ، فَلَمّا أضافَ التَّحْرِيمَ إلى إسْرائِيلَ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالِاجْتِهادِ وهو كَما يُقالُ: الشّافِعِيُّ يُحِلُّ لَحْمَ الخَيْلِ، وأبُو حَنِيفَةَ يُحَرِّمُهُ بِمَعْنى أنَّ اجْتِهادَهُ أدّى إلَيْهِ فَكَذا هاهُنا.
الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنَّ التَّحْرِيمَ في شَرْعِهِ كالنَّذْرِ في شَرْعِنا، فَكَما يَجِبُ عَلَيْنا الوَفاءُ بِالنَّذْرِ كانَ يَجِبُ في شَرْعِهِ الوَفاءُ بِالتَّحْرِيمِ.